أضعفُ الإيمان الاعتراف بأن لبنان لم يتعافَ، بعد، من آثار الخمس عشرة سنة التي يُجمع اللبنانيون على وصفها بـ«سنوات الحرب»؛ وأضعف الإيمان أيضًا الاعتراف بأنّ «الحرب» تلك، (أو بالأحرى تلك الحروب)، على ما تذكِّر بين الحين والآخر تصريحات لا لبس فيها، يدلي بها قادة وسياسيون، ما تزال خطرًا يخشى الانزلاق فيه... لئلا نقول أكثر... من قبيل أنها ما تزال وراء الباب... وإذ هو كذلك، فأضعفُ الإيمان بين يدي هاتين الملاحظتين التوقف عند هذا «الفشل» اللبناني في التمنّع عن «الحرب»؛ أو قل، أضعف الإيمان السؤال بسذاجة عن الأسباب التي تجعل اللبنانيين في ٢٠٠٨ يفترضون أنهم قاب قوسين أو أدنى من ١٩٧٥.
مطلع التسعينيات، على غرار ما كان من اللبنانيين بمناسبة منازعات أهلية سابقة، اختار اللبنانيون الخروج من «الحرب» من باب عفو عام أريد منه، على ما تعبر فصحى اللبنانيين وعاميتهم السياسية، «طي صفحة الماضي» وفتح صفحة جديدة. أما الأسباب الموجبة لهذا العفو، بالمعنى الأهلي، فمدارها على أن بقاء بعض الجرائم المرتكبة خلال «الأحداث» التي عصفت بالبلاد منذ العام ١٩٧٥، «أن بقاءها في ساحة المناقشة ومجال الأخذ والرد يوقظ الأحقاد ويقوض مسيرة السلام»؛ (راجع الأسباب الموجبة لعفو ١٩٩١، النهار، ٨ آب ١٩٩١).
هو كذلك ولكن ما لا يحتاج إلى دليل، اليوم أكثر من أي يوم سبق، أن هذا الخيار، خيار العفو وطي صفحة الماضي، على نحو ما ذهب إليه اللبنانيون، قد أخفق إخفاقًا بيّنًا. فما إن حل وثاق «الوصاية» عن اليد اللبنانية حتى ارتفعت أيدي ممثلي الشعب، تحت قبة البرلمان، مصوتة، باسم «المصالحات الوطنية وتعزيز السلم الأهلي»، على قانوني عفو إضافيين، حسبُ المرء أن يطالع أسبابهما الموجبة ليكون فكرة دقيقة عما كانت عليه حقًا السنوات الممتدة بين ١٩٩١ و٢٠٠٥، وعما كانت عليه أحوال مرافق حيوية من مثل الأمن والعدالة... - تلك السنوات التي يُزيّن لنا أنها الفرصة التي وجب على اللبنانيين انتهازها للشروع بتصفية حسابهم مع «الحرب» - وليقف على جانب من الأسباب التي حالت، خلال تلك السنوات، دون تبلور مبادرات حكومية مدنية جادة لتدبير الماضي، سواء بالحث على المصالحة - واستطرادًا تصارح المتصالحين بما ألحقوه من إساءة بعضهم بالبعض الآخر - أو بالعمل على تحقيق درجة ولو رمزية من العدالة...
ولكن ليس هذا فقط... فحسب المرء أن يطالع الأسباب الموجبة لهذينك العفوين اللذين حاول اللبنانيون أن يختموا بهما ما تصالحوا على تسميته «عهد الوصاية» - وأن يقيس على تلك الأسباب - ليتبين، بعض الشيء، ما حدا بكل طرف من أطراف حرب عُدت منتهية إلى أن يصطنع لنفسه ذاكرة تروي له، وتُحاج عنه، سيرة فصول العنف التي ولغ فيها؛ وإذ تتعدد هذه الذاكرات بتعدد الجماعات، فهي تشترك في إحالتها العمدية إلى تصورات «بسيطة» و«مبسطة» عن الجماعة اللبنانية وعن تاريخ الحرب وجغرافيتها - تصورات تقسم لبنان دومًا إلى فسطاطين، (ماديين و/أو معنويين) لا ثالث لهما: قبل/بعد الضحايا والجلادين، المسلمين والمسيحيين، بيروت الشرقية وبيروت الغربية، إلى آخره في المختصر، تصورات هي من نتائج الحرب بمقدار ما تصح مقدمات لمشاريع حروب.
من هنا، فلا عجب في أن اقترن تسييد ثقافة «النسيان بالتراضي» بتغييب مفاهيم العدالة والمحاسبة والعقاب. ومن هنا أيضًا فلا عجب، بصرف النظر عن السجال السياسي، أن استقبل اللبنانيون ببهتة سلبية لدى البعض إيجابية لدى البعض الآخر، تشكيل لجنة دولية للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري بقرار دولي، وما أعقبه من إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة المشتبه بهم في عملية الاغتيال تلك وسواها من الجرائم، كأنّ طلب الحقيقة وإحقاق العدالة وإنزال القصاص مفاهيم من كوكب آخر، أو أقله من زمن آخر.
لم تنتظر أمم للتوثيق والأبحاث، ومثلها في ذلك هيئات وجمعيات أخرى، اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتشكيل لجنة التحقيق ثم إنشاء المحكمة لتكشف البارود، ولتخالف على الذين يحملون «الماضي» لا سيما فصوله العنيفة، على محمل الخفة، أو لتضيف إلى جدول أعمالها مسألة «طلب الحقيقة وإدارة الذاكرة»، رافعة هذه المسألة إلى مرتبة الأولية من اهتماماتها؛ (وحسب المرء أن يراجع سجل النشاطات التي نظمتها أمم منذ تأسيسها، أو شاركت فيها، ليتبين أننا نقول ما نعني ونعني ما نقول).
ولعل السؤال الأصعب الذي لم يفتأ يستقبل أمم من أول انطلاقتها وانطلاقة نشاطها - ويستقبل على ما نقدر سواها من منظمات المجتمع المدني الناشطة في الحقل نفسه - هو ذاك الذي مداره على صواب «التحرش بالماضي وبفصوله «المؤلمة»، وغالبًا ما يصاغ السؤال المذكور تحت عنوان زمني من قبيل: هل آن الأوان لفتح ملفات الماضي؟»، وغالبًا أيضًا ما يحيل السائل، إثباتًا لوجهة النظر التي بالكاد يضمرها السؤال، إلى تجارب بلدان «متقدمة» اقتضاها الصبر على ماضيها عشرات السنين قبل أن باشرت الصيد في مياهه العكرة، أو أخرى ما يزال النقاش محتدمًا بين نخبها وناسها بشأن مباشرة الصيد هذا أو الإمساك عنه.
أما جواب أمم عن هذا الاستفهام الإنكاري فجاء دومًا تنويعًا على فكرة كنا وما نزال على قناعة عالية بها: السؤال مشروع، ولكل مجتمع وتيرته، ولكنّ مجرد شروع فئات، ولو قليلة، من مجتمع ما، بالتعبير عن حاجتها إلى مراجعة «الماضي»، دليل على حضور هذا «الماضي»، ومن ثَمَّ فهذا التعبير جزء من السجال، المكتوم أحيانًا، المحظور أحيانًا أخرى، الذي يعيشه هذا المجتمع.
في قوام المشروع
قوام المشروع سبع ورشات عمل متخصصة، تواكبها سبع فعاليات ثقافية مفتوحة للجمهور ذات صلة بمواضيع ورشات العمل.