على هامِشِ السّجالاتِ والخصوماتِ اللبنانيّة/اللبنانيّة المُزدهرة في كل الفصول، والبالغة أحيانًا حدَّ الشّجارِ العّنيفِ، وأحيانًا أخرى، في ساعاتِ تَّخلٍّ ليسَت بالنّادِرةِ في تاريخ لُبنانَ واللّبنانيين، حَدَّ العِراكِ اليَدَوِي والاشتِباكِ المُسلّح، سجالًا لا ينتقصُ مِنهُ في شيء أنّهُ أقلُّ ضوضاء وجلبة من سِواه، على الرغم مِن أنّهُ في الصّميمِ مِن تِلكَ السّجالاتِ والخُصوماتِ، بل على الرّغمِ مِن أنّ موضُوعهُ هو خزّانُها الذي لا ينضبُ: إنشاءُ لبنانَ بوصفهِ كيانًا سياسيًا قانونيًا قائمًا بِنَفسهِ في أيلول مِن سَنةِ ١٩٢٠، على يدِ جنرال يحل ويريط باسم الدولة التي آل إليها غداة الحرب العالمية الأولى الانتداب على هذه القطعة من إرث الدولة العثمانية الهالكة.
وإذ يتّسع لفريق من اللبنانيين اليوم، كما اتسع له خلال المئة المنصرمة، أن يحشد الأسباب الموجبة لما كان من إنشاء لبنان تحت الظروف التي نشأ فيها، يتّسع لفريق آخر، كما اتسع له خلال المئة المنصرمة نفسها، أن يحشد، بدوره، الحجج التي تسفّه تلك الأسباب الموجبة. والحقيقة أن السجال الدائر منذ سنوات، والذي احتدم مع اقتراب الذكرى المئوية الأولى على إنشاء لبنان، (وهو، بالمناسبة، سجال وصلت أصداؤه إلى البرلمان)، لا يخرج، في نهاية المطاف، عن التحزّب لأحد هذين الرأيين، وعن تصريف هذا التحزّب بالدعوة إلى إحياء الأول من أيلول باعتباره علامة فارقة في التاريخ اللبناني الحديث، أو بالدعوة إلى الإعراض عن إحياء هذه الذكرى لا باعتبار الأول من أيلول ذاك يوم مخزاة فحسب، بل تحسّبًا من أن يستثير إحياؤه شؤونًا وشجونًا تؤلّب اللبنانيين بعضهم على بعض وتضع سِلْمَهُم الهشّ على المحك!
بالطبع، يمكن ذا/ذات الاهتمام بـ«الشأن اللبناني» أن يكتفي من دنوّ المئوية الأولى برصد هذا السجال، ومتابعة فصوله، بِلِحاظ أن هذا السجال أصدقُ إنباءً عن أحوالِ لبنان اليوم من كثيرٍ سواه من السّجالات اللبنانيّة المنسوبةِ إلى الّسياسة، بَيْدَ أنّ لهُ، ذا الاهتِمامِ بالشّأنِ اللبناني، أنْ يذهبَ مَذهبًا آخرَ وأن يَستَسنِح دُنوّ هذهِ المئوية للنظرِ إلى هذه المئة من السنين بِوصفِها جِماعَ «تَجرِبةٍ إنسانيّةٍ» ضَوت تحتَها الكثيرَ من السّجال في لبنان وإنشائِه، ولكِنَّها، إلى جانب ذلك، ضَوَت كثيرًا سواه - مِما يَسرُّ ومما يَسوءُ، ومِما يطرِب ومِما يغُم، ومِما يُحَنُّ إليهِ ويُرجى استئنافُهُ ومِما يُشمأزُ مِنْهُ ويُوَدُ أنه لَمْ يكُن في يوْمٍ مِن الأيامِ، وهكذا دواليك...
على هدْيٍ مِما سَبق، تبْنِي أممٌ للتّوْثِيقِ والأبْحاثِ على أن رصْدَ السِّجالِ ذي الصِّلةِ بِمِئويّة لبنان الكبير الأولى، ومُتابعتَهُ، أمْرٌ لا معْدى مِنْه في سياقِ ما تنْشطُ له منْذ سنواتٍ مِنْ نشاطٍ توْثِيقي/ بحْثِي ولكِنها، على هدْي مِما سَبق أيضًا، لا ترى أن هذا السِّجال، ما سلف مِنْه وما قدْ يلي، يفي التجْرِبة الإِنسانِية التي كان لبنان مسْرحًا لها أحيانًا، مناسبةً أحيانًا أخرى، أو موْضوعًا، أو غيْر ذلك حقها.
لا يدعِي لبنان ۱۹۲۰- ۲۰۲۰ : كيْف نحْتفِل بهذه المِئوِيةِ؟ أنه سِجِلٌّ جامِعٌ مانِعٌ يسْتغْرِق لبنان التجْرِبةِ تلك بكلِّ ما حواه وبِكلِّ من أسْهم فيهِ مِنْ «لبْنانيّين» و«لبْنانيّات» حِلًّا ونسبًا، ومِنْ «لبْنانيين» و«لبْنانيّات» بالتبنِّي أو الاختيار أو الضرورةِ، بلْ وبِكلِّ منْ أسْهم فيهِ مِنْ غيْرِ اللبْنانيين واللبْنانيات أيضًا - لا يدعي ذلك وإنما هو مواقِف على طريق هذه المئة، وطرفاتٌ إلى هذه المئة، لا تخْلو، أحْيانًا، مِنْ استعادة مواضيع سبق لأمم أنْ عنِيتْ بِها، ولا تتردد، أحيانًا أخرى، مِنْ اقْتراحِ أنْسابٍ وأرْحامٍ بيْن أشياء وأعيان ووقائع وتواريخ لا ما يصِل بيْنها للوهْلةِ الأولى.
وإِذْ هو كذلك، فلا ما يدْهِش، أو ما يسْتغْرب له مِنْ مشروعِ مذيّل بتوقيع أمم لِلتوْثِيقِ والأبْحاثِ أنْ تتبوأ «الحرْب» مِنْه الصدارة... إِنْ لم يكنْ لِسببٍ، فلِما تهْجِسُ بِهِ أمم، في كلِّ ما تضْطلِع بِهِ، مِنْ هاجسِ «الحرْبِ» و«السِّلْم» في اخْتِلافِهِما على هذا البلد...منبِّهة أخيرة ولو أنها في حسْبانِنا نافِلةٌ ومِنْ بابِ تحْصيلِ الحاصِلِ: على غرارِ ما إِن هذا «المعْرِض» لا يدّعِي الاستغراق فهو لا يدّعِي، على نحْوِ ما يمْثُل عليْهِ اليوْم، أو ما قدْ يمْثل عليْهِ في غدٍ، أنّهُ منْجزٌ أوْ مُتمّمٌ أوْ نِهائي... فهذه المئة، شأن كلِّ تجْرِبةٍ إِنسانيةٍ، قِصة لا فراغ مِنْ رِوايتِها كأنها حياةٌ ماضِيةٌ قدمًا ، أو كأنها ذِكْرياتٌ متوهمةٌ عنْ حياةٍ افتراضيةٍ لم تكنْ يوْمًا...